04-حزيران-2026
أزمة المناخ الدولي الأخطر من سابقاتها
لعقود خلت كان يمكن التعامل مع ملفّ التغيّر المناخي بعدّه امتداداً لنقاش بيئي تقني تديره لجان الخبراء، وتصوغه تقارير المنظّمات الدولية. واليوم، تبدو هذه المقاربة نفسها جزءاً من المشكلة لا من الحلّ، فالمسألة لم تعد تتعلّق بترتيب أولويات التنمية أو تحسين جودة الهواء فحسب، بل بحدود قابلية الكوكب نفسه للاستمرار تحت نمط الإنتاج/ الاستهلاك الحالي.
لا أميل إلى التشاؤم والتهويل، لكنّ الأمر الأكثر إلحاحاً وخطورةً، اليوم، أنّ آثار هذه الأزمة لم تعد ملفّاً مستقبلياً، بل هي حاضرة بالفعل وتهدّد حياة الناس في أقواتهم اليومية وأسعار الغذاء واستقرار المدن، إضافةً إلى الأمن المائي وأنماط الهجرة القسرية المتزايدة. ومع ذلك، لا يزال جزء كبير من السياسات العامّة يتعامل مع المناخ ملفّاً ثانوياً أو نخبوياً يمكن إدارته بالتدريج، بينما المؤشّرات الميدانية والأرض الملتهبة تقول إنّ هامش الزمن المتاح يتقلّص بسرعة البرق.
وبعد عقود من المؤتمرات والاتفاقات تتكشّف فجوة صارخة بين الخطاب والواقع، فتقارير الأمم المتحدة الصادرة حديثاً تشير بوضوح إلى أنّ خفض الانبعاثات يجب أن يحدث بصورة جذرية وفورية، وإلّا فإنّ العالم يتّجه نحو مسار تصبح فيه قابلية الحياة نفسها مهدّدةً. ومع ذلك، لا تزال الالتزامات الدولية خجولةً بلا أدوات تنفيذ فعلية؛ هناك تعهّدات تُعلَن ثمّ تتآكل عند أوّل اختبار لمعادلة الربح والخسارة.
هناك قصور في الإدراك، فالنظام الاقتصادي العالمي لا يزال يتعامل مع البيئة بوصفها عاملاً خارجياً غير محسوب بدقّة داخل المعادلة المالية. فالأضرار البيئية والانبعاثات الكربونية وخسائر التنوّع الحيوي... كلّها تبقى خارج الدفاتر أو تُدرَج جزئيّاً لا تعكس حقيقتها، وفي غياب محاسبة بيئية صارمة، تتحوّل الأزمة إلى نوع من العجز البنيوي عن رؤية الكلفة الحقيقية لما يحدث. وفي سياق رئاستي لفريق تابع للأمم المتحدة، معنيّ بوضع معايير للمحاسبة والإبلاغ البيئي، بدا واضحاً منذ وقت مبكّر أنّ الأزمة ليست في نقص المعرفة، بل في غياب الآليات المُلزِمة التي تحوّل المعرفة إلى التزام قابل للقياس والمساءلة. كان الشعار المتكرّر في تلك النقاشات أنّ "ما لا يقاس لا يُدار"، لكن ما لم يُقَل بوضوح كافٍ أنّ ما لا يقاس يترك أيضاً بلا مساءلة، وبلا تكلفة حقيقية الآن.